منتدى الجزيره العربى

منتدى عام


    معالم في الطريق ...الكاتب : سيد قطب رحمه الله

    شاطر

    ولد الشقران

    Posts : 873
    Join date : 13/08/2014

    معالم في الطريق ...الكاتب : سيد قطب رحمه الله

    مُساهمة من طرف ولد الشقران في الجمعة أبريل 03, 2015 8:06 am

    احببت ان اضع بعض كتب سيد قطب رحمه الله على اجزاء حتى تمكن القارئ من قراءتها واستيعاب ما يقوله رحمه الله ... حقيقه ان العلم والعمل امرين مترابطين.... فلا خبره فى اى شئ فى حياتك  بدون تجربه ومشقه وبذل للطاقه ومجاهدة النفس وقد يحدث تكرار للاخطاء وتصحيحها حتى تصل بك لدرجة الخبره والمعرفه ونحن فى واقع هذه الامه المخزى نجد اغلب المسلمين لا يقراءون واذا قراءوا لايفهمون فياءخذون المريح لهم  ويتركون العمل والجهد والمشقه وهذا ما انشئ امه يغلبها الخبل وقلة المعرفه الا من رحم الله وهم قله تجدها هنا وهناك وهم من يجاهدون انفسهم لمعرفة الصراط المستقيم ويحاولون التغلب على اهوائهم وزخرف الحياة الدنيا من اجل الوصول للطريق المستقيم وهذه طبيعة الموحد دائم الانشغال فى تصحيح وتقوية نفسه على طاعة الرحمن وقد يتعثر او يسقط او يتاءخر او ينحرف قليلا ولكن سرعان ما يتذكر فيرجع له بصره الى الصرط المستقيم.. يقول الله عز وجل "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون"..

    لذلك سوف نبداء باءذن الله  بكتاب معالم الطريق ونضعه على اجزاء حتى يستطيع كل شخص قراءته والتمعن فيما يقوله رحمه الله  وهو من واقع فهم وتجربه وخبره اوصلته لهذا الفهم العميق وبفضل الله ترك كتبا قيمه لابد لكل موحد ان يستنير ويفهم واقعه من خلالها لان الحق واحد لا يتغير .....

    وبس


    عدل سابقا من قبل ولد الشقران في الجمعة أبريل 03, 2015 8:10 am عدل 1 مرات

    ولد الشقران

    Posts : 873
    Join date : 13/08/2014

    رد: معالم في الطريق ...الكاتب : سيد قطب رحمه الله

    مُساهمة من طرف ولد الشقران في الجمعة أبريل 03, 2015 8:07 am

    معالم في الطريق



    الكاتب : سيد قطب

    مقدمة


    تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية... لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها... فهذا عرض للمرض وليس هو المرض... ولكن بسبب إفلاسها في عالم "القيم" التي يمكن أن تنمو الحياة الإنسانية في ظلالها نموا سليما وتترقى ترقيا صحيحا، وهذا واضح كل الوضوح في العالم الغربي، الذي لم يعد لديه ما يعطيه للبشرية من "القيم"، بل الذي لم يعد لديه ما يقنع ضميره باستحقاقه للوجود، بعدما انتهت "الديمقراطية" فيه إلى ما يشبه الإفلاس، حيث بدأت تستعير - ببطء - وتقتبس من أنظمة المعسكر الشرقي وبخاصة في الأنظمة الاقتصادية! تحت إسم الاشتراكية!

    كذلك الحال في المعسكر الشرقي نفسه... فالنظريات الجماعية وفي مقدمتها الماركسية التي اجتذبت في أول عهدها عددا كبيرا في الشرق - وفي الغرب نفسه - باعتبارها مذهبا يحمل طابع العقيدة، قد تراجعت هي الأخرى تراجعا واضحا من ناحية "الفكرة" حتى لتكاد تنحصر الآن في "الدولة" وأنظمتها، التي تبعد بعدا كبيرا عن أصول المذهب... وهي على العموم تناهض طبيعة الفطرة البشرية ومقتضياتها، ولا تنمو إلا في بيئة محطمة! أو بيئة قد ألفت النظام الدكتاتوري فترات طويلة! وحتى في مثل هذه البيئات قد بدأ يظهر فشلها المادي الاقتصادي - وهو الجانب الذي تقوم عليه وتتبجح به - فروسيا - التي تمثل قمة الأنظمة الجماعية - تتناقص غلاتها بعد أن كانت فائضة حتى في عهود القياصرة، وتستورد القمح والمواد الغذائية، وتبيع ما لديها من الذهب لتحصل على الطعام بسبب فشل المزارع الجماعية وفشل النظام الذي يصادم الفطرة البشرية.

    ولابد من قيادة للبشرية جديدة!

    إن قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال... لا لأن الحضارة الغربية قد أفلست ماديا أو ضعفت من ناحية القوة الاقتصادية والعسكرية... ولكن لأن النظام الغربي قد انتهى دوره لأنه لم يعد يملك رصيدا من "القيم" يسمح له بالقيادة.

    لابد من قيادة تملك إبقاء وتنمية الحضارة المادية التي وصلت إليها البشرية، عن طريق العبقرية الأوروبية في الإبداع المادي، وتزود البشرية بقيم جديدة جدة كاملة - بالقياس إلى ما عرفته البشرية - وبمنهج أصيل وإيجابي وواقعي في الوقت ذاته.

    والإسلام - وحده - هو الذي يملك تلك القيم، وهذا المنهج.

    لقد أدت النهضة العلمية دورها... هذا الدور الذي بدأت مطالعه مع عصر النهضة في القرن السادس عشر الميلادي، ووصلت إلى ذروتها خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر... ولم تعد تملك رصيدا جديدا.

    كذلك أدت "الوطنية" و "القومية" التي برزت في تلك الفترة، والتجمعات الإقليمية عامة دورها خلال هذه القرون... ولم تعد تملك هي الأخرى رصيدا جديدا.

    ثم فشلت الأنظمة الفردية والأنظمة الجماعية في نهاية المطاف.

    ولقد جاء دور "الإسلام" ودور "الأمة" في أشد الساعات حرجا وحيرة واضطرابا... جاء دور الإسلام الذي لا يتنكر للإبداع المادي في الأرض، لأنه يعده من وظيفة الإنسان الأولى منذ أن عهد الله إليه بالخلافة في الأرض، ويعتبره - تحت شروط خاصة - عبادة لله، وتحقيقا لغاية الوجود الإنساني.

    {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 30]، {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدوني} [الذاريات: 56].

    وجاء دور "الأمة المسلمة" لتحقق ما أراده الله بإخراجها للناس: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110]، {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143].


    * * *

    ولكن الإسلام لا يملك أن يؤدي دوره إلا أن يتمثل في مجتمع، أي أن يتمثل في أمة... فالبشرية لا تستمع - وبخاصة في هذا الزمان - إلى عقيدة مجردة، لا ترى مصداقها الواقعي في حياة مشهودة... و "وجود " الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة... فالأمة المسلمة ليست "أرضا" كان يعيش فيها الإسلام، وليست "قوما" كان أجدادهم في عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي... انما "الأمة المسلمة" جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي... وهذه الأمة - بهذه المواصفات! قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعا.

    ولا بد من "إعادة" وجود هذه "الأمة" لكي يؤدي الإسلام دوره المرتقب في قيادة البشرية مرة أخرى.

    لا بد من "بعث" لتلك الأمة التي واراها ركام الأجيال وركام التصورات، وركام الأوضاع، وركام الأنظمة، التي لا صلة لها بالإسلام، ولا بالمنهج الإسلامي... وإن كانت ما تزال تزعم أنها قائمة فيما يسمى "العالم الإسلامي"!

    وأنا أعرف أن المسافة بين محاولة "البعث" وبين تسلم "القيادة" مسافة شاسعة... فقد غابت الأمة المسلمة عن "الوجود" وعن "الشهود" دهرا طويلا، وقد تولت قيادة البشرية أفكار أخرى وأمم أخرى، وتصورات أخرى وأوضاع أخرى فترة طويلة، وقد أبدعت العبقرية الأوروبية في هذه الفترة رصيدا ضخما من "العلم" و "الثقافة" و "الأنظمة" و "الإنتاج المادي"... وهو رصيد ضخم تقف البشرية على قمته، ولا تفرط فيه ولا فيمن يمثله بسهولة! وبخاصة أن ما يسمى "العالم الإسلامي" يكاد يكون عاطلا من كل هذه الزينة!

    ولكن لا بد - مع هذه الاعتبارات كلها - من "البعث الإسلامي" مهما تكن المسافة شاسعة بين محاولة البعث وبين تسلم القيادة، فمحاولة البعث الإسلامي هي الخطوة الأولى التي لا يمكن تخطيها!


    * * *

    ولكي نكون على بينة من الأمر، ينبغي أن ندرك - على وجه التحديد - مؤهلات هذه الأمة للقيادة البشرية، كي لا نخطىء عناصرها في محاولة البعث الأولى.

    إن هذه الأمة لا تملك الآن - وليس مطلوبا منها - أن تقدم للبشرية تفوقا خارقا في الإبداع المادي، يحنى لها الرقاب، ويفرض قيادتها العالمية من هذه الزاوية... فالعبقرية الأوروبية قد سبقته في هذا المضمار سبقا واسعا، وليس من المنتظر - خلال عدة قرون على الأقل - التفوق المادي عليها!

    فلابد إذن من مؤهل آخر! المؤهل الذي تفتقده هذه الحضارة!

    إن هذا لا يعني أن نهمل الإبداع المادي، فمن واجبنا أن نحاول فيه جهدنا، ولكن لا بوصفه "المؤهل" الذي نتقدم به لقيادة البشرية في المرحلة الراهنة، أنما بوصفه ضرورة ذاتية لوجودنا، كذلك بوصفه واجبا يفرضه علينا "التصور الإسلامي" الذي ينوط بالإنسان خلافة الأرض، ويجعلها - تحت شروط خاصة - عبادة لله، وتحقيقا لغاية الوجود الإنساني.

    لا بد إذن من مؤهل آخر لقيادة البشرية - غير الإبداع المادي - ولن يكون هذا المؤهل سوى "العقيدة" و "المنهج" الذي يسمح للبشرية أن تحتفظ بنتاج العبقرية المادية، تحت إشراف تصور آخر يلبي حاجة الفطرة كما يلبيها الإبداع المادي، وأن تتمثل العقيدة والمنهج في تجمع إنساني، أي في مجتمع مسلم.


    * * *

    إن العالم يعيش اليوم كله في "جاهلية" من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها، جاهلية لا تخفف منها شيئا هذه التيسيرات المادية الهائلة، وهذا الإبداع المادي الفائق!

    هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية... وهي الحاكمية... انها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أربابا، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع، بمعزل عن منهج الله للحياة، وفيما لم يأذن به الله... فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله اعتداء على عباده... وما مهانة "الإنسان" عامة في الأنظمة الجماعية، وما ظلم "الأفراد" والشعوب بسيطرة رأس المال والاستعمار في النظم "الرأسمالية" إلا أثرا من آثار الاعتداء على سلطان الله، وإنكار الكرامة التي قررها الله للإنسان!

    وفي هذا يتفرد المنهج الإسلامي... فالناس في كل نظام غير النظام الإسلامي، يعبد بعضهم بعضا - في صورة من الصور - وفي المنهج الإسلامي وحده يتحرر الناس جميعا من عبادة بعضهم لبعض، بعبادة الله وحده، والتلقي من الله وحده، والخضوع لله وحده.

    وهذا هو مفترق الطريق... وهذا كذلك هو التصور الجديد الذي نملك إعطاءه للبشرية - هو وسائر ما يترتب عليه من آثار عميقة في الحياة البشرية الواقعية - وهذا هو الرصيد الذي لا تملكه البشرية، لأنه ليس من "منتجات" الحضارة الغربية، وليس من منتجات العبقرية الأوروبية! شرقية كانت أو غربية.

    إننا - دون شك - نملك شيئا جديدا جدة كاملة، شيئا لا تعرفه البشرية، ولا تملك هي أن " تنتجه"!

    ولكن هذا الجديد، لا بد أن يتمثل - كما قلنا - في واقع عملي، لا بد أن تعيش به أمة... وهذا يقتضي عملية "بعث" في الرقعة الإسلامية هذا البعث الذي يتبعه - على مسافة ما بعيدة أو قريبة - تسلم قيادة البشرية.

    فكيف تبدأ عملية البعث الإسلامي؟

    إنه لا بد من طليعة تعزم هذه العزمة، وتمضي في الطريق، تمضي في خضم الجاهلية الضاربة الأطناب في أرجاء الأرض جميعا، تمضي وهي تزاول نوعا من العزلة من جانب، ونوعا من الاتصال من الجانب الآخر بالجاهلية المحيطة...

    ولا بد لهذه الطليعة التي تعزم هذه العزمة من "معالم في الطريق" معالم تعرف منها طبيعة دورها، وحقيقة وظيفتها، وصلب غايتها، ونقطة البدء في الرحلة الطويلة... كما تعرف منها طبيعة موقفها من الجاهلية الضاربة الأطناب في الأرض جميعا...

    أين تلتقي مع الناس وأين تفترق؟

    ما خصائصها هي وما خصائص الجاهلية من حولها؟

    كيف تخاطب أهل هذه الجاهلية بلغة الإسلام وفيم تخاطبها؟

    ثم تعرف من أين تتلقى - في هذا كله - وكيف تتلقى؟

    هذه المعالم لا بد أن تقام من المصدر الأول لهذه العقيدة... القرآن... ومن توجيهاته الأساسية، ومن التصور الذي أنشأه في نفوس الصفوة المختارة، التي صنع الله بها في الأرض ما شاء أن يصنع، والتي حولت خط سير التاريخ مرة إلى حيث شاء الله أن يسير.


    * * *

    لهذه الطليعة المرجوة المرتقبة كتبت "معالم في الطريق"، منها أربعة فصول مستخرجة من كتاب "في ظلال القرآن" مع تعديلات وإضافات مناسبة لموضوع كتاب المعالم [1].

    ومنها ثمانية فصول - غير هذه التقدمة - مكتوبة في فترات حسبما أوحت به اللفتات المتوالية إلى المنهج الرباني الممثل في القرآن الكريم... وكلها يجمعها - على تفرقها - أنها معالم فى الطريق، كما هو الشأن في معالم كل طريق! وهي في مجموعها تمثل المجموعة الأولى من هذه "المعالم" والتي أرجو أن تتبعها مجموعة أخرى أو مجموعات، كلما هداني الله إلى معالم هذا الطريق!

    وبالله التوفيق.



    وجنان

    Posts : 26
    Join date : 24/03/2015

    رد: معالم في الطريق ...الكاتب : سيد قطب رحمه الله

    مُساهمة من طرف وجنان في الأحد أبريل 05, 2015 1:37 am

    بارك الله في جهودك وجعلها في ميزان حسناتك استفدنا منك الكثير

    وجنان

    Posts : 26
    Join date : 24/03/2015

    رد: معالم في الطريق ...الكاتب : سيد قطب رحمه الله

    مُساهمة من طرف وجنان في الأحد أبريل 05, 2015 1:40 am

    احد المتابعين لك منذ مده طويله ولكن بصمت

    Admin
    Admin

    Posts : 8
    Join date : 13/08/2014

    رد: معالم في الطريق ...الكاتب : سيد قطب رحمه الله

    مُساهمة من طرف Admin في الإثنين أبريل 06, 2015 7:35 am

    اخ ولد شقران
    الرجاء كتابة  هذا الموضوع فى منتدى الكتب والأبحاث الإسلامية
    جزاكم الله خير
    الاداره

    ولد الشقران

    Posts : 873
    Join date : 13/08/2014

    رد: معالم في الطريق ...الكاتب : سيد قطب رحمه الله

    مُساهمة من طرف ولد الشقران في الإثنين أبريل 13, 2015 1:40 am

    جيل قرآني فريد




    هنالك ظاهرة تاريخية ينبغي أن يقف أمامها أصحاب الدعوة الإسلامية في كل أرض وفي كل زمان، وأن يقفوا أمامها طويلا، ذلك أنها ذات أثر حاسم في منهج الدعوة واتجاهها.

    لقد خرجت هذه الدعوة جيلا من الناس - جيل الصحابة رضوان الله عليهم - جيلا مميزا في تاريخ الإسلام كله وفى تاريخ البشرية جميعه، ثم لم تعد تخرج هذا الطراز مرة أخرى... نعم وجد أفراد من ذلك الطراز على مدار التاريخ، ولكن لم يحدث قط أن تجمع مثل ذلك العدد الضخم، في مكان واحد، كما وقع في الفترة الأولى من حياة هذه الدعوة.

    هذه ظاهرة واضحة واقعة، ذات مدلول ينبغي الوقوف أمامه طويلا، لعلنا نهتدي إلى سره.

    إن قرآن هذه الدعوة بين أيدينا، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه العملي، وسيرته الكريمة، كلها بين أيدينا كذلك، كما كانت بين أبدي ذلك الجبل الأول، الذي لم يتكرر في التاريخ... ولم يغب إلا شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل هذا هو السر؟

    لو كان وجود شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم حتميا لقيام هذه الدعوة، وإيتائها ثمراتها، ما جعلها الله دعوة للناس كافة، وما جعلها آخر رسالة، وما وكل إليها أمر الناس في هذه الأرض، إلى آخر الزمان...

    ولكن الله سبحانه تكفل بحفظ الذكر، و علم أن هذه الدعوة يمكن أن تقوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمكن أن تؤتي ثمارها، فاختاره إلى جواره بعد ثلاثة وعشرين عاما من الرسالة، وأبقى هذا الدين من بعده إلى آخر الزمان... وإذن فإن غيبة شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفسر تلك الظاهرة ولا تعللها.


    * * *

    فلنبحث إذن وراء سبب آخر، لننظر في النبع الذي كان يستقي منه هذا الجيل الأول، فلعل شيئا قد تغير فيه، ولننظر في المنهج الذي تخرجوا عليه، فلعل شيئا قد تغير فيه كذلك.

    كان النبع الأول الذي استقى منه ذلك الجيل هو نبع القرآن، ألقرآن وحده، فما كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه إلا أثرا من آثار ذلك النبع، فعندما سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: "كان خلقه القرآن" [2].

    كان القرآن وحده إذن هو النبع الذي يستقون منه، ويتكيفون به، ويتخرجون عليه، ولم يكن ذلك كذلك لأنه لم يكن للبشرية يومها حضارة، ولا ثقافة، ولا علم، ولا مؤلفات، ولا دراسات... كلا! فقد كانت هناك حضارة الرومان وثقافتها وكتبها وقانونها الذي ما تزال أوروبا تعيش عليه، أو على امتداده، وكانت هناك مخلفات الحضارة الإغريقية ومنطقها وفلسفتها وفنها، وهو ما يزال ينبوع التفكير الغربي حتى اليوم، وكانت هناك حضارة الفرس وفنها وشعرها وأساطيرها وعقائدها ونظم حكمها كذلك، وحضارات أخرى قاصية ودانية: حضارة الهند وحضارة الصين... الخ، وكانت الحضارتان الرومانية والفارسية تحفان بالجزيرة العربية من شمالها ومن جنوبها، كما كانت اليهودية والنصرانية تعيشان في قلب الجزيرة... فلم يكن إذن عن فقر في الحضارات العالمية والثقافات العالمية يقصر ذلك الجيل على كتاب الله وحده... في فترة تكونه... وإنما كان ذلك عن "تصميم" مرسوم، ونهج مقصود، يدل على هذا القصد غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى في يد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صحيفة من التوراة، وقوله: "إنه والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني" [3].

    وإذن فقد كان هناك قصد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقصر النبع الذي يستقي منه ذلك الجيل... في فترة التكون الأولى... على كتاب الله وحده، لتخلص نفوسهم له وحده، ويستقيم عودهم على منهجه وحده، ومن ثم غضب أن رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستقي من نبع آخر.

    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد صنع جيل خالص القلب، خالص العقل، خالص التصور، خالص الشعور، خالص التكوين من أى مؤثر آخر غير المنهج الإلهي، الذي يتضمنه القرآن الكريم.

    ذلك الجيل استقى إذن من ذلك النبع وحده، فكان له في التاريخ ذلك الشأن الفريد... ثم ما الذي حدث، اختلطت الينابيع! صبت في النبع الذي استقت منه الأجيال التالية فلسفة الإغريق ومنطقهم، وأساطير الفرس وتصوراتهم، وإسرائيليات اليهود ولاهوت النصارى، وغير ذلك من رواسب الحضارات والثقافات، واختلط هذا كله بتفسير القرآن الكريم، وعلم الكلام، كما اختلط بالفقه والأصول أيضا، وتخرج على ذلك النبع المشوب سائر الأجيال بعد ذلك الجيل، فلم يتكرر ذلك الجيل أبدا.

    وما من شك أن اختلاط النبع الأول كان عاملا أساسيا من عوامل ذلك الاختلاف البين بين الأجيال كلها وذلك الجيل المميز الفريد.


    * * *

    هناك عامل أساسي آخر غير اختلاف طبيعة النبع، ذلك هو اختلاف منهج التلقي عما كان عليه في ذلك الجيل الفريد...

    إنهم - في الجيل الأول - لم يكونوا يقرءون القرآن بقصد الثقافة والاطلاع، ولا بقصد التذوق والمتاع، لم يكن أحدهم يتلقى القرآن ليستكثر به من زاد الثقافة لمجرد الثقافة، ولا ليضيف إلى حصيلته من القضايا العلمية والفقهية محصولا يملأ به جعبته، أنما كان يتلقى القرآن ليتلقى أمر الله في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها، وشأن الحياة التي يحياها هو وجماعته، يتلقى ذلك الأمر ليعمل به فور سماعه، كما يتلقى الجندي في الميدان " الأمر اليومي " ليعمل به فور تلقيه! ومن ثم لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة الواحدة، لأنه كان يحس أنه إنما يستكثر من واجبات وتكاليف يجعلها على عاتقه، فكان يكتفي بعشر آيات حتى يحفظها ويعمل بها كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه [4].

    هذا الشعور... شعور التلقي للتنفيذ... كان يفتح لهم من القرآن آفاقا من المتاع وآفاقا من المعرفة، لم تكن لتفتح عليهم لو أنهم قصدوا إليه بشعور البحث والدراسة والاطلاع، وكان ييسر لهم العمل، ويخفف عنهم ثقل التكاليف، ويخلط القرآن بذواتهم، ويحوله في نفوسهم وفي حياتهم إلى منهج واقعي، وإلى ثقافة متحركة لا تبقى داخل الأذهان ولا في بطون الصحائف، إنما تتحول آثارا وأحداثا تحول خط سير الحياة.

    إن هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن يقبل عليه بهذه الروح: روح المعرفة المنشئة للعمل، أنه لم يجيء ليكون كتاب متاع عقلي، ولا كتاب أدب وفن، ولا كتاب قصة وتاريخ - وإن كان هذا كله من محتوياته - إنما جاء ليكون منهاح حياة، منهاجا إلهيا خالصا، وكان الله سبحانه يأخذهم بهذا المنهج مفرقا، يتلو بعضه بعضا: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا} [الإسراء: 106].

    لم ينزل هذا القرآن جملة، إنما نزل وفق الحاجات المتجددة، ووفق النمو المطرد في الأفكار والتصورات، والنمو المطرد في المجتمع والحياة، ووفق المشكلات العملية التي تواجهها الجماعة المسلمة في حياتها الواقعية، وكانت الآية أو الآيات تنزل في الحالة الخاصة والحادثة المعينة تحدث الناس عما في نفوسهم، وتصور لهم ما هم فيه من الأمر، وترسم لهم منهج العمل في الموقف، وتصحح لهم أخطاء الشعور والسلوك، وتربطهم في هذا كله بالله ربهم، وتعرفه لهم بصفاته المؤثرة في الكون، فيحسون حينئذ أنهم يعيشون مع الملأ الأعلى، تحت عين الله، في رحاب القدرة، ومن ثم يتكيفون في واقع حياتهم، وفق ذلك المنهج الإلهي القويم.

    إن منهج التلقي للتنفيذ والعمل هو الذي صنع الجيل الأول، ومنهج التلقي للدراسة والمتاع هو الذي خرج الأجيال التي تليه، وما من شك أن هذا العامل الثاني كان عاملا أساسيا كذلك في اختلاف الأجيال كلها عن ذلك الجيل المميز الفريد.


    * * *

    هناك عامل ثالث جدير بالانتباه والتسجيل.

    لقد كان الرجل حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية، كان يشعر في اللحظة التي يجيء فيها إلى الإسلام أنه يبدأ عهدا جديدا، منفصلا كل الانفصال عن حياته التي عاشها في الجاهلية، وكان يقف من كل ما عهده في جاهليته موقف المستريب الشاك الحذر المتخوف، الذي يحس أن كل هذا رجس لا يصلح للإسلام! وبهذا الإحساس كان يتلقى هدي الإسلام الجديد، فإذا غلبته نفسه مرة، وإذا اجتذبته عاداته مرة، وإذا ضعف عن تكاليف الإسلام مرة... شعر في الحال بالإثم والخطيئة، وأدرك في قرارة نفسه أنه في حاجة إلى التطهر مما وقع فيه، وعاد يحاول من جديد أن يكون على وفق الهدي القرآني.

    كانت هناك عزلة شعورية كاملة بين ماضي المسلم في جاهليته وحاضره في إسلامه، تنشأ عنها عزلة كاملة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله وروابطه الاجتماعية، فهو قد انفصل نهائيا من بيئته الجاهلية واتصل نهائيا ببيئته الإسلامية، حتى ولو كان يأخذ من بعض المشركين ويعطي في عالم التجارة والتعامل اليومي، فالعزلة الشعورية شيء والتعامل اليومي شيء آخر.

    وكان هناك انخلاع من البيئة الجاهلية، وعرفها وتصورها، وعاداتها وروابطها، ينشأ عن الانخلاع من عقيدة الشرك إلى عقيدة التوحيد، ومن تصور الجاهلية إلى تصور الإسلام عن الحياة والوجود، وينشأ من الانضمام إلى التجمع الإسلامي الجديد، بقيادته الجديدة، ومنح هذا المجتمع وهذه القيادة كل ولائه وكل طاعته وكل تبعيته.

    وكان هذا مفرق الطريق، وكان بدء السير في الطريق الجديد، السير الطليق مع التخفف من كل ضغط للتقاليد التي يتواضع عليها المجتمع الجاهلي، ومن كل التصورات والقيم السائدة فيه، ولم يكن هناك إلا ما يلقاه المسلم من أذى وفتنة، ولكنه هو في ذات نفسه قد عزم وانتهى، ولم يعد لضغط التصور الجاهلي، ولا لتقاليد المجتمع الجاهلي عليه من سبيل.

    نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم، كل ما حولنا جاهلية... تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم، حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرا إسلاميا... هو كذلك من صنع هذه الجاهلية!

    لذلك لا تستقيم قيم الإسلام في نفوسنا، ولا يتضح تصور الإسلام في عقولنا، ولا ينشأ فينا جيل ضخم من الناس من ذلك الطراز الذي أنشأه الإسلام أول مرة.

    فلا بد إذن - في منهج الحركة الإسلامية - أن نتجرد في فترة الحضانة والتكوين من كل مؤثرات الجاهلية التي نعيش فيها ونستمد منها، لا بد أن نرجع ابتداء إلى النبع الخالص الذي استمد منه أولئك الرجال، النبع المضمون أنه لم يختلط ولم تشبه شائبة، نرجع إليه نستمد منه تصورنا لحقيقة الوجود كله ولحقيقة الوجود الإنساني ولكافة الارتباطات بين هذين الوجودين وبين الوجود الكامل الحق، وجود الله سبحانه... ومن ثم نستمد تصوراتنا للحياة، وقيمنا وأخلاقنا، ومناهجنا للحكم والسياسة والاقتصاد وكل مقومات الحياة.

    ولا بد أن نرجع إليه - حين نرجع - بشعور التلقي للتنفيذ والعمل، لا بشعور الدراسة والمتاع، نرجع إليه لنعرف ماذا يطلب منا أن نكون، لنكون، وفي الطريق سنلتقي بالجمال الفني في القرآن وبالقصص الرائع في القرآن، وبمشاهد القيامة في القرآن... وبالمنطق الوجداني في القرآن... وبسائر ما يطلبه أصحاب الدراسة والمتاع، ولكننا سنلتقي بهذا كله دون أن يكون هو هدفنا الأول، أن هدفنا الأول أن نعرف: ماذا يريد منا القرآن أن نعمل؟ ما هو التصور الكلي الذي يريد منا أن نتصور؟ كيف يريد القرآن أن يكون شعورنا بالله؟ كيف يريد أن تكون أخلاقنا وأوضاعنا ونظامنا الواقعي في الحياة؟

    ثم لا بد لنا من التخلص من ضغط المجتمع الجاهلي والتصورات الجاهلية والتقاليد الجاهلية والقيادة الجاهلية... في خاصة نفوسنا... ليست مهمتنا أن نصطلح مع واقع هذا المجتمع الجاهلي ولا أن ندين بالولاء له، فهو بهذه الصفة... صفة الجاهلية... غير قابل لأن نصطلح معه، أن مهمتنا أن نغير من أنفسنا أولا لنغير هذا المجتمع أخيرا.

    إن مهمتنا الأولى هي تغيير واقع هذا المجتمع، مهمتنا هي تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساسه، هذا الواقع الذي يصطدم اصطداما أساسيا بالمنهج الإسلامي، وبالتصور الإسلامي، والذي يحرمنا بالقهر والضغط أن نعيش كما يريد لنا المنهج الإلهي أن نعيش.

    إن أولى الخطوات في طريقنا هي أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته، وألا نعدل نحن في قيمنا وتصوراتنا قليلا أو كثيرا لنلتقي معه في منتصف الطريق، كلا! إننا وإياه على مفرق الطريق، وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق!

    وسنلقى في هذا عنتا ومشقة، وستفرض علينا تضحيات باهظة، ولكننا لسنا مخيرين إذا نحن شئنا أن نسلك طريق الجيل الأول الذي أقر الله به منهجه الإلهي، ونصره على منهج الجاهلية.

    وإنه لمن الخير أن ندرك دائما طبيعة منهجنا، وطبيعة موقفنا، وطبيعة الطريق الذي لا بد أن نسلكه للخروج من الجاهلية كما خرج ذلك الجيل المميز الفريد...



    نكمل لاحقا..
    وبس

    ولد الشقران

    Posts : 873
    Join date : 13/08/2014

    رد: معالم في الطريق ...الكاتب : سيد قطب رحمه الله

    مُساهمة من طرف ولد الشقران في الجمعة مايو 15, 2015 7:41 am

    طبيعة المنهج القرآني







    ظل القران المكي ينزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة عشر عاماً كاملة، يحدَثه فيها عن قضية واحدة. قضية واحدة لا تتغير، ولكن طريقة عرضها لا تكاد تتكرر. ذلك الأسلوب القرآني يدعها في كل عرض جديدة، حتى لكأنما يطرقها للمرة الأولى.

    لقد كان يعالج القضية الأولى، والقضية الكبرى، والقضية الأساسية، في هذا الدين الجديد.. قضية العقيدة.. ممثلة في قاعدتها الرئيسية.. الألوهية والعبودية، وما بينهما من علاقة.

    لقد كان بخاطب بهذه الحقيقة (الإنسان).. الإنسان بما انه إنسان.. وفي هذا المجال يستوي الإنسان العربي في ذلك الزمان والإنسان العربي في كل زمان، كما يستوي الإنسان العربي وكل إنسان. في ذلك الزمان وفي كل زمان!

    إنها قضية (الإنسان) التي لا تتغير. لأنها قضية وجود في هذا الكون وقضية مصيره. قضية علاقته بهذا الكون وبهؤلاء الأحياء. وقضية علاقته بخالق هذا الكون وخالق هذه الأحياء. وهي قضية لا تتغير ، لأنها قضية الوجود والإنسان.

    لقد كان هذا القرآن المكي يفسر للإنسان سر وجوده ووجود هذا الكون من حوله.. كان يقول له: من هو؟ ومن أين جاء؟ ولماذا جاء؟ والى أين يذهب في نهاية المطاف؟ من ذا الذي جاء به من العدم والمجهول؟ ومن ذا الذي يذهب به؟ وما مصيره هناك؟ وكان يقول له: ما هذا الوجود الذي يحسه ويراه، والذي يحس أن وراءه غيباً يستشرفه ولا يراه؟ من أنشأ هذا الوجود المليء بالأسرار؟ من ذا يدبره؟ ومن ذا يحوره؟ ومن ذا يجدد فيه ويغير على النحو الذي يراه؟.. وكان يقول له كذلك: كيف يتعامل مع خالق هذا الكون، ومع الكون أيضاً، كما يبين له: كيف يتعامل العباد مع العباد؟

    وكانت هذه هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجود (الإنسان). وستظل هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجوده على توالي الأزمان.

    وهكذا انقضت ثلاثة عشر عاماً كاملة في تقرير هذه القضية الكبرى، القضية التي ليس وراءها شيء في حياة الإنسان إلا ما يقوم عليها من المقتضيات والتفريعات.

    ولم يتجاوز القرآن المكي هذه القضية الأساسية إلى شيء مما يقوم عليها من التفريعات المتعلقة بنظام الحياة، إلا بعد أن علم الله أنها قد استوفت ما تستحقه من البيان، وأنها استقرت استقراراً مكيناً ثابتاً في قلوب العصبة المختارة من بني الإنسان، التي قدر الله أن يقوم هذا الدين عليها، وان تتولى هي إنشاء النظام الواقعي الذي يتمثل فيه هذا الدين.

    وأصحاب الدعوة إلى دين الله، والى إقامة النظام الذي يتمثل فيه هذا الدين في واقع الحياة، خليقون أن يقفوا طويلا أمام هذه الظاهرة الكبيرة، ظاهرة تصدي القرآن المكي خلال ثلاثة عشر عاماً لتقرير هذه العقيدة، ثم وقوفه عندها لا يتجاوزها إلى شيء من تفصيلات النظام الذي يقوم عليها، والتشريعات التي تحكم المجتمع المسلم الذي يعتنقها.

    لقد شاءت حكمة الله أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تتصدى لها الدعوة منذ اليوم الأول للرسالة، وان يبدأ رسول الله-صلى الله عليه وسلم- أولى خطواته في الدعوة بدعوة الناس أن يشهدوا: أن لا اله إلا الله، وان يمضي في دعوته يعرف الناس بربهم الحق، ويعبدهم له دون سواه.

    ولم تكن هذه -في ظاهر الأمر وفي نظرة العقل البشري المحجوب- هي ايسر السبل إلى قلوب العرب! فلقد كانوا يعرفون من لغتهم معنى (إله) ومعنى: (لا إله إلا الله).كانوا يعرفون أن الألوهية تعني الحاكمية العليا.. وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وأفراد الله-سبحانه- بها، معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام، وردَه كله إلى الله.. السلطان على الضمائر، والسلطان على الشعائر، والسلطان على واقعيات الحياة، والسلطان في المال ، والسلطان في القضاء،والسلطان في الأرواح والأبدان.. كانوا يعلمون أن(لا اله إلا الله) ثورة على السلطان الأرضي الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية، وثورة على الأوضاع التي تقوم على قاعدة من هذا الاغتصاب، وخروج على السلطات التي تحكم بشريعة من عندها لم يأذن بها الله.. ولم يكن يغيب عن العرب-وهم يعرفون لغتهم جيداً ويعرفون المدلول الحقيقي لدعوة-(لا اله إلا الله)- ماذا تعني هذه الدعوة بالنسبة لأوضاعهم ورياساتهم وسلطانهم، ومن استقبلوا هذه الدعوة-او هذه الثورة- ذلك الاستقبال العنيف، وحاربوها هذه الحرب التي يعرفها الخاص والعام..

    فَلِمَ كانت هذه نقطة البدء في هذه الدعوة؟ ولم اقتضت حكمة الله أن تبدأ بكل هذا العناء؟

    لقد بُعث رسول الله-صلى الله عليه وسلم- بهذا الدين،واخصب بلاد العرب وأغناها ليست في يد العرب، إنما هي في أيدي غيرهم من الأجناس!

    بلاد الشام كلها في الشمال خاضعة للروم،يحكمها أمراء عرب من قبل الروم، وبلاد اليمن كلها في الجنوب خاضعة للفرس، يحكمها أمراء عرب من قبل الفرس، وليست في أيدي العرب إلا الحجاز تهامة ونجد، وما إليها من الصحاري القاحلة التي تتناثر فيها الواحات الخصبة هنا وهناك!

    وربما قيل انه في كان استطاعة محمد -صلى الله عليه وسلم-وهو الصادق الأمين الذي حكَمه أشراف قريش من قبل في وضع الحجر الأسود، وارتضوا حكمه،منذ خمسة عشر عاماً قبل الرسالة، والذي هو في الذؤابة من بني هاشم أعلى قريش نسباً.. انه كان في استطاعته أن يثيرها قومية عربية تستهدف تجميع قبائل العرب التي أكلتها الثارات ومزقتها النزاعات، وتوجيهها وجهة قومية لاستخلاص أرضها المغتصبة من الإمبراطوريات المستعمرة.. الرومان في الشمال والفرس في الجنوب.. وإعلاء راية العربية والعروبة، وإنشاء وحدة قومية في كل أرجاء الجزيرة.

    وربما قيل:انه لو دعا رسول الله-صلى الله عليه وسلم- هذه الدعوة لاستجابت له العرب قاطبة، بدلا من أن يعاني ثلاثة عشر عاماً في اتجاه معارض لأهواء أصحاب السلطان في الجزيرة!

    وربما قيل: أن محمداً-صلى الله عليه وسلم- كان خليقاً- بعد أن يستجيب له العرب هذه الاستجابة، وبعد أن يولَوه فيهم القيادة والسيادة، وبعد استجماع السلطان في يديه، والمجد فوق مفرقيه-أن يستخدم هذا كله في إقرار عقيدة التوحيد التي بعث بها، في تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبَدهم لسلطانه البشرى!

    ولكن الله-سبحانه- وهو العليم الحكيم، لم يوجه رسوله- صلى الله عليه وسلم- هذا التوجيه! إنما وجهه إلى أن يصدع بـ (لا اله إلا الله) ، وان يحتمل هو والقلة التي تستجيب له كل هذا العناء !

    لماذا ؟ أن الله-سبحانه- لا يريد أن يعنت رسوله والمؤمنين معه. إنما هو-سبحانه- يعلم أن هذا ليس هو الطريق،ليس الطريق أن تخلص الأرض من يد طاغوت روماني او طاغوت فارسي، إلى يد طاغوت عربي. فالطاغوت كله طاغوت! إن الأرض لله، ويجب أن تخلص لله. ولا تخلص لله إلا أن ترفع كلمة (لا اله إلا الله). وليس الطريق أن يتحرر الناس في هذه الأرض من طاغوت روماني او فارسي، إلى طاغوت عربي. فالطاغوت كله طاغوت! أن الناس عبيد لله وحده، ولا يكونون عبيداً لله إلا أن ترتفع راية(لا اله إلا الله)-لا اله إلا الله كما يدركها العربي العارف بمدلولات لغته،: لا حاكمية إلا الله، ولا شريعة إلا من الله، ولا سلطان لأحد على احد، لان السلطان كله لله، ولان( الجنسية) التي يريدها الإسلام للناس هي جنسية العقيدة، التي يتساوى فيها العربي والروماني والفارسي وسائر الأجناس والألوان تحت راية الله.

    وهذا هو الطريق..

    وبعث رسول الله-صلى الله عليه وسلم-بهذا الدين، والمجتمع العربي كأسوأ ما يكون المجتمع توزيعا ًللثروة والعدالة. قلة قليلة تملك المال والتجارة، وتتعامل بالربا فتتضاعف تجارتها ومالها. وكثرة كثيرة لا تملك إلا الشظف والجوع. والذين يملكون الثروة يملكون معها الشرف والمكانة، وجماهير كثيرة ضائعة من المال والمجد جميعاً!

    وربما قيل: أنه كان في استطاعة محمد-صلى الله عليه وسلم- أن يرفعها راية اجتماعية، وان يثيرها حرباً على طبقة الأشراف، وان يطلقها دعوة تستهدف تعديل الأوضاع، ورد أموال الأغنياء على الفقراء!

    وربما قيل: انه لو دعا يومها رسول الله-صلى الله عليه وسلم-هذه الدعوة، لانقسم المجتمع العربي صفين: الكثرة الغالبة مع الدعوة الجديدة في وجه طغيان المال والشرف والجاه، والقلة القليلة مع هذه الموروثات ، بدلا من أن يقف المجتمع كله صفاً في وجه (لا اله إلا الله) التي لم يرتفع إلى افقها في ذلك الحين إلا الأفذاذ من الناس!

    وربما قيل: أن محمداً-صلى الله عليه وسلم-كان خليقاً بعد أن تستجيب له الكثرة، وتوليه قيادها، فيغلب بها القلة ويسلس له مقادها، ان يستخدم مكانه يومئذ وسلطانه في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه بها ربه، وفي تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبَدهم لسلطانه البشرى!

    لكن الله-سبحانه- وهو العليم الحكيم، لم يوجهه هذا التوجيه..

    لقد كان الله-سبحانه- يعلم أن هذا ليس هو الطريق.. كان يعلم أن العدالة الاجتماعية لابد أن تنبثق في المجتمع من تصور اعتقادي شامل، يرد الأمر كله لله، ويقبل عن رضى وعن طواعية ما يقضي به الله من عدالة التوزيع، ومن تكافل الجميع، ويستقر معه في قلب الآخذ والمأخوذ منه سواء انه ينفذ نظاماً شرعه الله، ويرجوا على الطاعة فيه الخير والحسنى في الدنيا والآخرة سواء. فلا تمتلئ قلوب بالطمع ولا تمتلئ قلوب بالحقد، ولا تسير الأمور كلها بالسيف والعصا وبالتخويف والإرهاب! ولا تفسد القلوب كلها وتختنق الأرواح، كما يقع في الأوضاع التي تقوم على غير(لا اله إلا الله).



    وبُعث رسول الله-صلى الله عليه وسلم-والمستوى الأخلاقي في الجزيرة العربية في الدرك الأسفل في جوانب منه شتى- إلى جانب ما كان في المجتمع من فضائل الخامة البدوية.

    كان التظالم فاشيا في المجتمع، تعبر عنه حكمة الشاعر(زهير بن أبي سلمى):

                      و من لم يذد عن حوضه بسلاحه   ***    يهدَّم، ومن لا يظلم الناس يُظلمِ

    ويعبر عن القول المتعارف في الجاهلية:(انصر أخاك ظالماً او مظلوماً).

    وكانت الخمر والميسر من تقاليد المجتمع الفاشية، ومن مفاخره كذلك يعبر عن هذه الخصلة الشعر الجاهلي بجملته.. كالذي يقول طرفة بن العبد:

     فلولا ثلاث هن من عيشـة الفتى ***        وجدَك لم احفل متى قــام عوَّدي

    فمنهن سبقى العاذلات بشــربة       ***   كـميت متى ما تعل بالماء تزبــد
      وما زال تشاربي الخـمور ولذتي         ***    وبذلـي وإنفاقي طريقــي وتالدي
    إلى أن تحامتنى العشـيرة كلهـا         ***    وأفردت إفـراد البعـير المعبًّــد




    وكانت الدعارة- في صور شتى- من معالم هذا المجتمع- شأنه شأن كل مجتمع جاهلي قديم او حديث- كالتي روته عائشة رضي الله عنها :

    (أن النكاح في الجاهلية كان على أربع أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم.. يخطب الرجل إلى الرجل وليَته او ابنته، فيصدقها ثم ينكحها.. والنكاح الأخر كان الرجل يقول لامرأته- إذا طهرت من طمثها- : أرسلي إلى فلان فاستبعضي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها ابدً حتى يتبين حملها من ذلك الذي تستضع منه، فإذا تبين حملها أصابها الرجل إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد! فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.. ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها. فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها ، أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمى من أحبت باسمه فيلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل.. والنكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع من جاءها .. وهن البغايا.. كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها، جمعوا لها ودعوا لهم القافة، ثم الحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطه، ودعى ابنه لا يمتنع عن ذلك).

    وربما قيل: انه كان قي استطاعة محمد-صلى الله عليه وسلم- أن يعلنها دعوة إصلاحية، تتناول تقويم الأخلاق، وتطهير المجتمع، وتزكية النفوس.

    وربما قيل: انه-صلى الله عليه وسلم- كان واجداً وقتها- كما يجد كل مصلح أخلاقي في أية بيئة- نفوساً طيبة يؤذيها هذا الدنس.

    وتأخذها الأريحية والنخوة لتلبية دعوة الإصلاح والتطهير.

    وربما قال قائل: انه لو صنع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذلك لاستجابت له- في أول الأمر- جمهرة صالحة، تتطهر أخلاقها، وتزكوا أرواحها، فتصبح اقرب إلى قبول العقيدة وحملها، بدلاً من أن تثير دعوة(لا اله إلا الله) المعارضة القوية منذ أول الطريق. ولكن الله- سبحانه- كان يعلم أن ليس هذا هو الطريق!

    كان يعلم أن الأخلاق لا تقوم على أساس من عقيدة، تضع الموازين، وتقرر القيم، كما تقرر السلطة التي تستند إليها هذه الموازين والقيم، والجزاء الذي تملكه هذه السلطة، وتوقعه على الملتزمين والمخالفين. وانه قبل تقرير هذه العقيدة، وتحديد هذه السلطة تظل القيم كلها متأرجحة وتظل الأخلاق التي تقوم عليها متأرجحة كذلك، بلا ضابط، وبلا سلطان، وبلا جزاء!

    فلما تقررت العقيدة-بعد الشاق- وتقررت السلطة التي ترتكن إليها هذه العقيدة.. لما عرف الناس ربهم وعبدوه وحده.. لما تحرر الناس من سلطان العبيد ومن سلطان الشهوات سواء.. لما تقررت في القلوب(لا اله إلا الله).. صنع الله بها وبأهلها كل شيء مما يقترحه المقترحون.. تطهرت الأرض من(الرومان والفرس).. لا ليتقرر فيها سلطان(العرب). ولكن ليتقرر فيها سلطان(الله).. لقد تطهرت من سلطان(الطاغوت) كله.. رومانياً، وفارسياً، وعربياً، على السواء.

    وتطهر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته. وقام(النظام الإسلامي)، يعدل بعدل الله، ويزن بميزان الله، ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده، ويسميها راية (الإسلام). لا يقرن إليها اسماً أخر، ويكتب عليها : (لا اله إلا الله)!

    وتطهرت النفوس والأخلاق، وزكت القلوب والأرواح، دون أن يحتاج الأمر حتى للحدود والتعازير التي شرعها الله- إلا في الندرة النادرة- لان الرقابة قامت هناك في الضمائر، ولان الطمع في رضا الله وثوابه، والحياة والخوف من غضبه وعقابه، قد قاما مقام الرقابة ومكان العقوبات.

    وارتفعت البشرية في نظامها، وفي اخلاقها، وفي حياتها كلها، إلى القمة السامقة التي لم ترتفع إليها من قبل قط، والتي لم ترتفع إليها من بعد إلا في ظل الإسلام.

    ولقد تم هذا كله لان الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام وشرائع وإحكام، كانوا قد أقاموا هذا الدين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم، في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك. وكانوا قد وعدوا على إقامة هذا الدين وعداً واحداً، لا يدخل فيه الغلب والسلطان.. ولا حتى بهذا الدين على أيديهم.. وعداً واحداً لا يتعلق بشيء في هذه الدنيا.. وعداً واحداً هو الجنة. هذا كل وعدوه على الجهاد المضني، والابتلاء الشاق، والمضي في الدعوة، ومواجهة الجاهلية بالأمر الذي يكرهه أصحاب السلطان في كل زمان وفي كل مكان، وهو: ( لا إله إلا الله)!

    فلما أن ابتلاهم الله فصبروا، ولما أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم، ولما أن علم الله منهم انهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض- كائناً ما كان هذا الجزاء، ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم، وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم- ولما لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجد ولا قوم، ولا اعتزاز بوطن ولا ارض، ولا اعتزاز بعشيرة ولا بيت.. لما أن علم الله منهم ذلك كله، علم انهم قد اصبحوا- إذن- أمناء على هذه الأمانة الكبرى.. أمناء على العقيدة، التي يتفرد فيها الله- سبحانه- بالحاكمية في القلوب والضمائر، وفي السلوك والشعائر، وفي الأرواح والأموال، وفي الأوضاع والأحوال.. وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم ليقوموا به على شريعة الله ينفذونها، وعلى عدل الله يقيمونه، دون أن يكون لهم من ذلك السلطان شيء لانفسهم، ولا لعشيرتهم، ولا لقومهم، ولا لجنسهم. إنما يكون السلطان الذي في أيديهم لله، ولدينه وشريعته، لأنهم يعلمون انه من الله، هو الذي آتاهم إياه.

    ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوى الرفيع، إلا أن تبدأ الدعوة ذلك البدء. وإلا أن ترفع الدعوة هذه الراية وحدها.. راية لا اله إلا الله.. ولا ترفع معها سواها. وإلا أن تسلك الدعوة هذا الطريق الوعر الشاق في ظاهره، المبارك الميسر في حقيقته.

    وما كان هذا المنهج المبارك ليخلص لله، لو أن الدعوة بدأت خطواتها الأولى دعوة قومية، او دعوة اجتماعية، او دعوة أخلاقية.. او رفعت أي شعار جانب شعارها الواحد: (لا اله إلا الله). ذلك شأن القرآن المكي كله في تقرير: (لا اله إلا الله) في القلوب والعقول، واختيار هذا الطريق-على مشقته في الظاهر- وعدم اختيار السبل الجانبية الأخرى، والإصرار على هذا الطريق.

    فأما شأن هذا القرآن في تناول قضية الاعتقاد وحدها، دون التطرق الى تفصيلات النظام الذي يقوم عليها، والشرائع التي تنظم المعاملات فيها، فذلك كذلك مما ينبغي أن يقف أمام أصحاب الدعوة لهذا الدين وقفة واعية.

    إن طبيعة هذا الدين هي التي قضت بها.. فهو دين يقوم كله على القاعدة الألوهية الواحدة.. كل تعظيماته وكل تنظيماته وكل تشريعاته تنبثق من هذا الأصل الكبير.. وكما أن الشجرة الضخمة الباسقة، الوارفة المديدة الظلال، المتشابكة الأغصان، الضاربة في الهواء.. لابد لها أن تضرب بجذورها في التربة على أعماق بعيدة، وفي مساحات واسعة، تناسب ضخامتها وامتدادها في الهواء.. فكذلك هذا الدين.. إن نظامه يتناول الحياة كلها، ويتولى شؤون البشرية كبيرها وصغيرها ، وينظم حياة الإنسان- لا في الحياة الدنيا وحدها كذلك في الدار الآخرة، ولا في عالم الشهادة وحده ولكن كذلك في عالم الغيب المكنون عنها، ولا في المعاملات المادية الظاهرة وحدها ولكن كذلك في أعماق الضمير ودنيا السرائر والنوايا- فهو مؤسسة ضخمة هائلة شاسعة مترامية، ولابد له إذن من جذور وأعماق بهذه السعة والضخامة والعمق والانتشار أيضاً..

    هذا جانب من سر هذا الدين وطبيعته، يحدد منهجه في بناء نفسه وفي امتداده، ويجعل بناء العقيدة وتمكينها، وشمول هذه العقيدة واستغراقها لشعب النفس كلها.. ضرورة من ضرورات النشأة الصحيحة، وضماناً من ضمانات الاحتمال، والتناسق بين الظاهر من الشجرة في الهواء والضارب من جذورها في الأعماق.

    ومتى استقرت عقيدة: (لا إله إلا الله) في أعماقها الغائرة البعيدة، استقر معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثل فيه (لا إله إلا الله)، وتعين أنه النظام الوحيد الذي ترتضيه النفوس التي استقرت فيها العقيدة، واستسلمت هذه النفوس ابتداء لهذا النظام، حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلاته، وقبل أن تعرض عليها تشريعاته. فالاستسلام ابتداء هو مقتضى الإيمان.. وبمثل هذا الاستسلام تلقت النفوس- فيما بعد- تنظيمات الإسلام وتشريعاته بالرضى والقبول، لا تعترض على شيء منه فور صدوره إليها، ولا تتلكأ في تنفيذه بمجرد تلقيها له..وهكذا أبطلت الخمر، وابطل الربا، وابطل الميسر، وأبطلت العادات الجاهلية كلها.. أبطلت بآيات من القرآن، او كلمات من الرسول-صلى الله عليه وسلم- بينما الحكومات الأرضية تجهد في شيء من هذا كله بقوانينها وتشريعاتها، ونظمها وأوضاعها، وجندها وسلطاتها، ودعايتها واعلامها، فلا تبلغ إلا أن تضبط الظاهر من المخالفات، بينما المجتمع يعج بالمنهيات والمنكرات!

    وجانب آخر من طبيعة هذا الدين يتجلى في هذا المنهج القويم. إن هذا الدين منهج عملي حركي جاد.. جاء ليحكم الحياة في واقعها، ويواجه هذا الواقع ليقضى فيه بأمره.. يقره، او يعدله، او يغيره من أساسه.. ومن ثم فهو لا يشرع إلا لحالات واقعة فعلاً، في مجتمع يعترف ابتداء بحاكمية الله وحده..

    انه ليس(نظرية) تتعامل مع(الفروض) !.. انه(منهج)، يتعامل مع (الواقع) !.. فلابد اولا أن يقوم المجتمع المسلم الذي يقر عقيدة: أن لا اله إلا الله، وان الحاكمية ليست إلا لله ويرفض أن يقر بالحاكمية لأحد من دون الله، ويرفض شرعية أي وضع لا يقوم على هذه القاعدة..

    وحين يقوم هذا المجتمع فعلاً، تكون له حياة واقعية، تحتاج إلى تنظيم والى تشريع.. وعندئذ فقط يبدأ هذا الدين في تقرير النظم وفي سن الشرائع لقوم مستسلمين أصلاً للنظم والشرائع، رافضين أصلاً لغيرها من النظم والشرائع..

    ولابد أن يكون للمؤمنين بهذه العقيدة من سلطان على أنفسهم وعلى مجتمعهم ما يكفل تنفيذ النظام والشرائع في هذا المجتمع حتى يكون للنظام هيبته، ويكون للشريعة جديتها.. فوق ما يكون لحياة هذا المجتمع من واقعية تقتضي الأنظمة والشرائع من فورها..

    والمسلمون في مكة لم يكن لهم سلطان على أنفسهم ولا على مجتمعهم. وما كانت لهم حياة واقعية مستقلة هم الذين ينظمونها بشريعة الله.. ومن ثم لم ينزل الله في هذه الفترة تنظيمات وشرائع، وإنما نزَل لهم عقيدة، وخلقاً منبثقاً من هذه العقيدة بعد استقرارها في الأعماق البعيدة.. فلما أن صارت لهم دولة في المدينة ذات سلطان، تنزلت عليهم الشرائع، وتقرر لهم النظام الذي يواجه حاجات المجتمع المسلم الواقعية، والذي تكفل له الدولة بسلطاتها الجدية النفاذ.

    ولم يشأ الله أن ينزل عليهم النظام والشرائع في مكة، ليختزنوها جاهزة حتى تطبق بمجرد قيام الدولة في المدينة! أن هذه ليست طبيعة هذا الدين!.. انه اشد واقعية من هذا واكثر جدية!.. انه لا يفترض المشكلات ليفترض لها حلولاً.. إنما يواجه الواقع حين يكون واقع مجتمع مسلم مستسلم لشريعة الله رافض لشريعة سواه بحجمه وشكله وملابساته وظروفه، ليشرع له، وفق حجمه وشكله وملابساته وظروفه.

    والذين يريدون من الإسلام اليوم أن يصوغ نظريات وان يصوغ قوالب نظام، وان يصوغ تشريعات للحياة.. بينما ليس على وجه الأرض مجتمع قد قرر فعلاً تحكيم شريعة الله وحدها، ورفض كل شريعة سواها، مع تملكه للسلطة التي تفرض هذا وتنفذه.. الذين يريدون من الإسلام هذا، لا يدركون طبيعة هذا الدين، ولا كيف يعمل في الحياة.. كما يريد له الله..

    انهم يريدون منه ان يغير طبيعته ومنهجه وتاريخه ليشابه نظريات بشرية، ومناهج بشرية، ويحاولون أن يستعجلوه عن طريقه وخطواته ليلبي رغبات وقتية في نفوسهم، رغبات إنما تنشئها الهزيمة الداخلية في أرواحهم تجاه أنظمة بشرية صغيرة.. يريدون منه أن يصوغ نفسه في قالب نظريات وفروض، تواجه مستقبلاً غير موجود.. والله يريد لهذا الدين أن يكون كما أراده.. عقيدة تملأ القلب، وتفرض سلطانها على الضمير، عقيدة مقتضاها ألا يخضع الناس إلا لله، وألا يتلقوا الشرائع إلا منه دون سواه.. وبعد أن يوجد الناس الذين هذه عقيدتهم، ويصبح لهم السلطان الفعلي في مجتمعهم، تبدأ التشريعات لمواجهة حاجاتهم الواقعية، وتنظيم حياتهم الواقعية كذلك.

    هذا ما يريده الله لهذا الدين.. ولن يكون إلا ما يريده الله، مهما كانت رغبات الناس!

    كذلك ينبغي ان يكون مفهوماً لأصحاب الدعوة الإسلامية انهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين، يجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة- حتى لو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون!- يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو(أولا) إقرار عقيدة(لا اله إلا الله)- بعدلها الحقيقي، وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله، وطرد المعتدين على سلطان الله بادعاء هذا الحق لأنفسهم، إقرارها في ضمائرهم وشعائرهم، وإقرارها في أوضاعهم وواقعهم..

    ولتكن هذه القضية هي أساس دعوة الناس إلى الإسلام، كانت هي أساس دعوتهم إلى الإسلام أول مرة.. هذه الدعوة التي تكفل بها القرآن المكي طوال ثلاثة عشر عاماً كاملة .. فإذا دخل في هذا الدين - بمفهومه هذا الأصيل-عصبة من الناس .. فهذه العصبة هي التي يطلق عليها اسم (المجتمع المسلم) .. المجتمع الذي يصلح لمزاولة النظام الإسلامي في حياته الاجتماعية، لأنه قرر بينه وبين نفسه أن تقوم حياته كلها على هذا الأساس، وألا يحكم في حياته كلها إلا الله.

    وحين يقوم هذا المجتمع بالفعل يبدأ عرض أسس النظام الإسلامي عليه، كما يأخذ هذا المجتمع نفسه في سن التشريعات التي تقتضيها حياته الواقعية، في إطار الأسس العامة للنظام الإسلامي .. فهذا هو الترتيب الصحيح لخطوات المنهج الإسلامي .. فهذا هو الترتيب الصحيح لخطوات المنهج الإسلامي الواقعي العملي الجاد.

    ولقد يخيل لبعض المخلصين المتعجلين، ممن لا يتدبرون طبيعة هذا الدين، وطبيعة منهجه الرباني القويم، المؤسس على حكمة العليم الحكيم وعلمه بطبائع البشر وحاجات الحياة .. نقول: لقد يخيل لبعض هؤلاء أن عرض أسس النظام الإسلامي - بل التشريعات الإسلامية كذلك- على الناس، مما ييسر لهم طريق الدعوة، ويحبب الناس في هذا الدين!

    وهذا وَهْمٌ تنشئه العجلة! وَهْمٌ كالذي كان يمكن أن يقترحه المقترحون: أن تقوم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أولها تحت راية قومية، أو راية اجتماعية، أو راية أخلاقية، تيسيراً للطريق!

    إن القلوب يجب أن تخلص أولاً لله، وتعلن عبوديتها له وحده، بقبول شرعه وحده، ورفض كل شرع آخر غيره.. من ناحية المبدأ .. قبل أن تخاطب بأي تفصيل عن ذلك الشرع يرغبها فيه!

    إن الرغبة يجب أن تنبثق من إخلاص العبودية لله، والتحرر من سلطان سواه، لا من أن النظام المعروض عليها .. في ذاته .. خير مما لديها من الأنظمة في كذا وكذا على وجه التفصيل.

    إن نظام الله خير في ذاته، لأنه من شرع الله .. ولن يكون شرع العبيد يوماً كشرع الله .. ولكن هذه ليست قاعدة الدعوة. إن قاعدة الدعوة أن قبول شرع الله وحده أيَّاً كان، هو ذاته الإسلام، وليس للإسلام مدلول سواه، فمن رغب في الإسلام ابتداء فقد فصل في القضية، ولم يعد بحاجة إلى ترغيبه بجمال النظام وأفضليته .. فهذه إحدى بديهيات الإيمان!

    وبعد، فلا بد أن نقول كيف عالج القرآن المكي قضية العقيدة في خلال الثلاثة عشر عاماً .. إنه لم يعرضها في صورة (نظرية) ولا في صورة (لاهوت)! ولم يعرضها في سورة جدل كلامي كالذي زاوله ما يسمى (علم التوحيد)!


    كلا! لقد كان القرآن الكريم يخاطب فطرة (الإنسان) بما في وجوده هو وبما في الوجود حوله من دلائل وإيحاءات .. كان يستنقذ فطرته من الركام، ويخلص أجهزة الاستقبال الفطرية مما ران عليها وعطل وظائفها، ويفتح منافذ الفطرة، لتتلقى الموحيات المؤثرة وتستجيب لها.

    هذا بصفة عامة 00 وبصفة خاصة كان القرآن يخوض بهذه العقيدة معركة حية واقعية .. كان يخوض بها معركة مع الركام المعطل للفطرة في نفوس آدمية حاضرة واقعة .. ومن ثم لم يكن شكل (النظرية) هو الشكل الذي يناسب هذا الواقع الخاص. إنما هو شكل المواجهة الحية للعقابيل والسدود والحواجز والمعوِّقات النفسية والواقعية في النفوس الحاضرة الحية .. ولم يكن الجدل الذهني - القائم على المنطق الشكلي- الذي سار عليه في العصور المتأخرة علم التوحيد، هو الشكل المناسب كذلك .. فلقد كان القرآن يواجه (واقعاً) بشريّاً كاملاً بكل ملابساته الحية، ويخاطب الكينونة البشرية بجملتها في خضم هذا الواقع.. وكذلك لم يكن (اللاهوت) هو الشكل المناسب. فإن العقيدة الإسلامية، ولو أنها عقيدة، إلا أنها تمثل منهج حياة واقعية للتطبيق العملي، ولا تقبع في الزاوية الضيقة التي تقبع فيها الأبحاث اللاهوتية النظرية!

    كان القرآن، وهو يبني العقيدة في ضمائر الجماعة المسلمة، يخوض بهذه الجماعة المسلمة معركة ضخمة مع الجاهلية من حولها، كما يخوض بها معركة ضخمة مع رواسب الجاهلية في ضميرها هي وأخلاقها وواقعها 00 ومن هذه الملابسات ظهر بناء العقيدة لا في صورة (نظرية) وفي صورة (لاهوت)، ولا في صورة (جدل كلامي) .. ولكن في صورة تجمع عضوي حيوي وتكوين تنظيمي مباشر للحياة، ممثل في الجماعة المسلمة ذاتها، وكان نمو الجماعة المسلمة في تصورها الاعتقادي، وفي سلوكها الواقعي وفق هذا التصور، وفي دربتها على مواجهة الجاهلية كمنظمة محاربة لها.. كان هذا النمو ذاته ممثلاً تماماً لنمو البناء العقيدي، وترجمة حية له .. وهذا هو منهج الإسلام الذي يمثل طبيعته كذلك.

    وإنه لمن الضروري لأصحاب الدعوة الإسلامية أن يدركوا طبيعة هذا الدين ومنهجه في الحركة على هذا النحو الذي بيّنّاه. ذلك ليعلموا أن مرحلة بناء العقيدة التي طالبت في العهد المكي على هذا النحو، لم تكن منعزلة عن مرحلة التكوين العملي للحركة الإسلامية، والبناء الواقعي للجماعة المسلمة. لم تكن مرحلة تلقِّي (النظرية) ودراستها! ولكنها كانت مرحلة البناء القاعدي للعقيدة وللجماعة وللحركة وللوجود الفعلي معاً .. وهكذا ينبغي أن تكون كلما أريد إعادة هذا البناء مرة أخرى.

    هكذا ينبغي أن تطول مرحلة بناء العقيدة، وأن تتم خطوات البناء على مهل، وفي عمق وتثبت .. ثم هكذا ينبغي ألا تكون مرحلة دراسة نظرية للعقيدة، ولكن مرحلة ترجمة لهذه العقيدة -أولاً بأول- في صورة حية، متمثلة في ضمائر متكيفة بهذه العقيدة ومتمثلة في بناء جماعي وتجمع حركي، يعبر نموه من داخله ومن خارجه عن نمو العقيدة ذاتها، ومتمثلة في حركة واقعية تواجه الجاهلية، وتخوض معها المعركة في الضمير وفي الواقع كذلك، لتتمثل العقيدة حية، وتنمو نمواً حياً في خضم المعركة.

    وخطأ أي خطأ - بالقياس إلى الإسلام- أن تتبلور العقيدة في صورة (نظرية) مجردة للدراسة الذهنية.. المعرفية الثقافية .. بل خطر أي خطر كذلك.

    إن القرآن لم يقض ثلاثة عشر عاماً كاملة في بناء العقيدة بسبب أنه كان يتنزل للمرة الأولى .. كلا! فلو أراد الله لأنزل هذا القرآن جملة واحدة، ثم ترك أصحابه يدرسونه ثلاثة عشرة عاماً، أو أكثر أو أقل، حتى يستوعبوا (النظرية الإسلامية).

    ولكن الله -سبحانه- كان يريد أمراً آخر، كان يريد منهجاً معيناً متفرداً، كان يريد بناء جماعة وبناء حركة وبناء عقيدة في وقت واحد.. كان يريد أن يبني الجماعة والحركة بالعقيدة، وأن يبني العقيدة بالجماعة والحركة .. كان يريد أن تكون العقيدة هي واقع الجماعة الحركي الفعلي، وأن يكون واقع الجماعة الحركي الفعلي هو الصورة المجسمة للعقيدة.. وكان الله -سبحانه- يعلم أن بناء النفوس والجماعات لا يتم بين يوم وليلة، فلم يكن هنالك بد أن يستغرق بناء العقيدة المدى الذي يستغرقه بناء النفوس والجماعة.. حتى إذا نضج التكوين العقيدي كانت الجماعة هي المظهر الواقعي لهذا النضوج.

    هذه هي طبيعة هذا الدين -كما تستخلص من منهج القرآن المكي- ولا بد أن نعرف طبيعته هذه، وألا نحاول تغييرها تلبية لرغبات معجلة مهزومة أمام أشكال النظريات البشرية! فهو بهذه الطبيعة صنع الأمة المسلمة أول مرة، وبها يصنع الأمة المسلمة في كل مرة يراد فيها أن يعاد إخراج الأمة المسلمة للوجود كما أخرجها الله أول مرة.


    يجب أن ندرك خطأ المحاولة وخطرها معاً، في تحويل العقيدة الإسلامية الحية التي تحب أن تتمثل في واقع نَامٍ حي متحرك، وفي تجمع عضوي حركي .. تحويلها عن طبيعتها هذه إلى (نظرية) للدراسة والمعرفة الثقافية، لمجرد أننا نريد أن نواجه النظريات البشرية الهزيلة بـ (نظرية إسلامية).

    إن العقيدة الإسلامية تحب أن تتمثل في نفوس حية، وفي تنظيم واقعي، وفي تجمع عضوي، وفي حركة تتفاعل مع الجاهلية من حولها، كما تتفاعل مع الجاهلية الراسبة في نفوس أصحابها - بوصفهم كانوا من أهل الجاهلية قبل أن تدخل العقيدة في نفوسهم، وتنتزعها من الوسط الجاهلي-وهي في صورتها هذه تشغل من القلوب والعقول -ومن الحياة أيضاً- مساحة أضخم وأوسع وأشمل مما تشغله (النظرية). وتشمل -فيما تشمل- مساحة النظرية ومادتها، ولكنها لا تقتصر عليها.

    إن التصور الإٍسلامي للألوهية، وللوجود الكوني، وللحياة، وللإنسان .. تصور شامل كامل. ولكنه كذلك تصور واقعي إيجابي. وهو يكره -بطبيعته- أن يتمثل في مجرد تصور ذهني معرفي، لأن هذا يخالف طبيعته وغايته. ويجب أن يتمثل في أناسى، وفي تنظيم حي، وفي حركة واقعية .. وطريقته في التكوين أن ينمو من خلال الأناسى والتنظيم الحي والحركة الواقعية، حتى يكتمل نظرياً في نفس الوقت الذي يكتمل فيه واقعياً- ولا ينفصل في صورة (النظرية) بل يظل ممثلاً في صورة (الواقع) الحركي..

    وكل نمو نظري يسبق النمو الحركي الواقعي، ولا يتمثل من خلاله، هو خطأ وخطر كذلك، بالقياس إلى طبيعة هذا الدين وغايته، وطريقة تركيبه الذاتي. والله -سبحانه- يقول:

    {وقرآناً فَرَقناه لتقراه على الناس على مُكْثٍ ونزلناه تنزيلاً} .. [الإسراء: 106]

    فالفرق مقصود. والمكث مقصود كذلك، ليتم البناء التكويني، المؤلف من عقيدة في صورة (منظمة حية) لا في صورة (نظرية)!

    يجب أن يعرف أصحاب هذا الدين جيّداً أنه -كما إنه في ذاته دين رباني- فإن منهجه في العمل منهج رباني كذلك. متواف مع طبيعته، وإنه لا يمكن فصل حقيقة هذا الدين عن منهجه في العمل.

    ويجب أن يعرفوا كذلك أن هذا الدين -كما إنه جاء ليغير التصور الاعتقادي، ومن ثم يغير الواقع الحيوي- فكذلك هو قد جاء ليغير المنهج الذي يبنى به التصور الاعتقادي، ويغير به الواقع الحيوي .. جاء ليبني عقيدة وهو يبني أمة .. ثم لينشئ منهج تفكير خاصاً به، بنفس الدرجة التي ينشئ بها تصوراً اعتقادياً وواقعاً حيوياً. ولا انفصال بين منهج تفكيره الخاص، وتصوره الاعتقادي الخاص، وبنائه الحيوي الخاص.. فكلها حزمة واحدة..

    فإذا نحن عرفنا منهجه في العمل على النحو الذي بيناه، فلنعرف أن هذا المنهج أصيل، وليس منهج مرحلة ولا بيئة ولا ظروف خاصة بنشأة الجماعة المسلمة الأولى، إنما هو المنهج الذي لا يقوم بناء هذا الدين -في أي وقت- إلا به.

    إنه لم تكن وظيفة الإسلام أن يغير عقيدة الناس وواقعهم فحسب، ولكن كانت وظيفته كذلك أن يغير منهج تفكيرهم، وتناولهم للتصور وللواقع، ذلك أنه منهج رباني مخالف في طبيعته كلها لمناهج البشر القاصرة الهزيلة.

    ونحن لا نملك أن نصل إلى التصور الرباني وإلى الحياة الربانية، إلا عن طريق منهج تفكير رباني كذلك، المنهج الذي أراد الله أن يقيم منهج تفكير الناس على أساسه، ليصح تصورهم الاعتقادي وتكوينهم الحيوي.

    نحن، حين نريد من الإسلام أن يجعل من نفسه (نظرية) للدراسة، نخرج به عن طبيعة منهج التكوين الرباني، وعن طبيعة منهج التفكير الرباني كذلك، ونخضع الإسٍلام لمناهج التفكير البشرية! وكأنما نريد لنرتقي بمنهج الله في التصور والحركة ليوازي مناهج العبيد!


    والأمر من هذه الناحية يكون خطيراً، والهزيمة تكون قاتلة.

    إن وظيفة المنهج الرباني أن يعطينا -نحن أصحاب الدعوة الإسلامية- منهجاً خاصاً للتفكير، نبرأ به من رواسب مناهج التفكير الجاهلية السائدة في الأرض، والتي تضغط على عقولنا، وتترسب في ثقافتنا . فإذا نحن أردنا أن نتناول هذا لدين بمنهج تفكير غريب عن طبيعته، من مناهج التفكير الجاهلية الغالبة، كنا قد أبطلنا وظيفته التي جاء ليؤديها للبشرية، وحرمنا أنفسنا فرصة الخلاص من ضغط المنهج الجاهلي السائد في عصرنا، وفرصة الخلاص من رواسبه في عقولنا وتكويننا.

    والأمر من هذه الناحية يكون خطيراً كذلك، والخسارة تكون قاتلة.

    إن منهج التفكير والحركة في بناء الإسلام، لا يقل قيمة ولا ضرورة عن منهج التصور الاعتقادي والنظام الحيوي، ولا ينفصل عنه كذلك. ومهما يخطر لنا أن نقدم هذا التصور وهذا النظام في صورة تعبيرية، فيجب ألا يغيب عن بالنا أن هذا لا ينشئ (الإٍسلام) في الأرض في صورة حركة واقعية، بل يجب ألا يغيب عن بالنا أنه لن يفيد من تقديمنا الإسلام في هذه الصورة إلا المشتغلون فعلاً بحركة إسلامية واقعية، وأن قصارى ما يفيده هؤلاء أنفسهم من تقديم الإسلام لهم في هذه الصورة هو أن يتفاعلوا معها بالقدر الذي وصلوا هم إليه فعلاً في أثناء الحركة.

    ومرة أخرى أكرر أن التصور الاعتقادي يجب أن يتمثل من فوره في تجمع حركي، وأن يكون التجمع الحركي في الوقت ذاته تمثيلاً صحيحاً وترجمة حقيقة للتصور الاعتقادي.

    ومرة أخرى أكرر كذلك أن هذا هو المنهج الطبيعي للإسلام الرباني، وأنه منهج أعلى وأقوم، وأشد فاعلية، وأكثر انطباقاً على الفطرة البشرية من منهج صياغة النظريات كاملة مستقلة وتقديمها في الصورة الذهنية الباردة للناس، قبل أني كون هؤلاء الناس مشتغلين فعلاً بحركة واقعية، وقبل أن يكونوا هم أنفسهم ترجمة حية، تنمو خطوة خطوة لتمثيل ذلك المفهوم النظري.

    وإذا صح هذا في الأصل النظري فهو أصح بطبيعة الحال فيما يختص بتقديم أسس النظام الذي يتمثل فيه التصور الإسلامي، أو تقديم التشريعات المفصلة لهذا النظام.


    إن الجاهلية التي حولنا -كما أنها تضغط على أعصاب بعض المخلصين من أصحاب الدعوة الإسلامية، فتجعلهم يتعجلون خطوات المنهج الإسلامي -هي كذلك تتعمد أحياناً أن تحرجهم. فتسألهم: أين تفصيلات نظامكم الذي تدعون إليه؟ وماذا أعددتم لتنفيذه من بحوث ودراسات ومن فقه مقنن على الأصول الحديثة! كأن الذي ينقص الناس في هذا الزمان لإقامة شريعة الإسلام في الأرض هو مجرد الأحكام الفقهية والبحوث الفقهية الإسلامية. وكأنما هم مستسلمون لحاكمية الله راضون بأن تحكمهم شريعته، ولكنهم فقط لا يجدون من (المجتهدين) فقهاً مقنناً بالطريقة الحديثة! .. وهي سخرية هازلة يجب أن يرتفع عليها كل ذي قلب يحس لهذا الدين بحرمة !

    إن الجاهلية لا تريد بهذا الإحراج إلا أن تجد لنفسها تعلة في نبذ شريعة الله، واستبقاء عبودية البشر للبشر.. وإلاَّ أن تصرف العصبة المسلمة عن منهجها الرباني، فتجعلنا تتجاوز مرحلة بناء العقيدة في صورة حركية، وأن تحول منهج أصحاب الدعوة الإسلامية عن طبيعته التي تتبلور فيها النظرية من خلال الحركة، وتتحدد ملامح النظام من خلال الممارسة، وتسن فيها التشريعات في مواجهة الحياة الإسلامية الواقعية بمشكلاتها الحقيقية.

    ومن واجب أصحاب الدعوة الإسلامية ألا يستجيبوا للمناورة! من واجبهم أن يرفضوا إملاء منهج غريب على حركتهم وعلى دينهم! من واجبهم ألا يستخفهم الذين لا يوقنون!

    ومن واجبهم أن يكشفوا مناورة الإحراج، وأن يستعلوا عليها، وأن يرفضوا السخرية الهازلة في ما يسمى (تطوير الفقه الإسلامي) في مجتمع لا يعلن خضوعه لشريعة الله ورفضه لكل شريعة سواها. من واجبهم أن يرفضوا هذه التلهية عن العمل الجاد .. التلهية باستنبات البذور في الهواء .. وأن يرفضوا هذه الخدعة الخبيثة!

    ومن واجبهم أن يتحركوا وفق منهج هذا الدين في الحركة. فهذا من أسرار قوته. وهذا هو مصدر قوتهم كذلك.

    إن (المنهج) في الإسلام يساوي (الحقيقة). ولا انفصام بينهما. وكل منهج غريب لا يمكن أن يحقق الإسلام في النهاية. والمناهج الغريبة يمكن أن تحقق أنظمتها البشرية. ولكنها لا يمكن أن تحقق منهجنا. فالتزام المنهج ضروري كالتزام العقيدة وكالتزام النظام في كل حركة إسلامية..

    {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم }..




    نكمل لاحقا..
    وبس

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين نوفمبر 20, 2017 5:47 am